ابن تيمية
28
مجموعة الفتاوى
مِن البَشَرِ وَالرَّسُولُ يَتَضَمَّنُ الْمُرْسَلَ فَبَيَّنَ أَنَّ كُلّاً مِن الرَّسُولَيْنِ بَلَّغَهُ لَمْ يُحَدِّثْ هُوَ مِنْهُ شَيْئاً وَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَقَالَ : عَمَّا يَنْزِلُ مِنْهُ جَدِيداً بَعْدَ نُزُولِ غَيْرِهِ قَدِيماً : { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } وَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْكَلَامِ الْمُعَيَّنِ وَقْتاً مُعَيَّناً كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى } وَقَالَ : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ } . وَاَلَّذِينَ قَالُوا : إنَّهُ " مَخْلُوقٌ " لَيْسَ مَعَهُمْ حُجَّةٌ إلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَهَذَا حَقٌّ لَكِنْ ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ بِمَشِيئَتِهِ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ . فَغَلِطُوا وَلَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ فَضَمُّوا مَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ الْمُوَافِقُ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ إلَى مَا أَحْدَثُوهُ مِن البِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ . وَكَذَلِكَ الَّذِينَ قَالُوا : إنَّهُ " قَدِيمٌ " لَيْسَ مَعَهُمْ إلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ لَكِنْ ضَمُّوا إلَى ذَلِكَ أَنَّ مَا يَقُومُ بِذَاتِهِ لَا يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ فَأَخْطَأُوا فِي ذَلِكَ وَلَبَّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَأُولَئِكَ فَسَّرُوا قَوْلَهُ : { جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } بِأَنَّهُ جَعَلَهُ بَائِناً عَنْهُ مَخْلُوقاً وَقَالُوا : جَعَلَ - بِمَعْنَى خَلَقَ - وَهَؤُلَاءِ قَالُوا : جَعَلْنَاهُ سَمَّيْنَاهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ : { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثاً } وَهَذَا إنَّمَا يُقَالُ : فِيمَنْ اعْتَقَدَ فِي الشَّيْءِ صِفَةً حَقّاً أَوْ بَاطِلاً إذَا كَانَتْ الصِّفَةُ خَفِيَّةً فَيُقَالُ : أَخْبَرَ عَنْهُ بِكَذَا وَكَوْنُ الْقُرْآنِ عَرَبِيّاً أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِخْبَارِ ثُمَّ كُلُّ مَنْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ فَقَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيّاً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَالرَّبُّ تَعَالَى اخْتَصَّ بِجَعْلِهِ عَرَبِيّاً فَإِنَّهُ